فخر الدين الرازي

17

تفسير الرازي

الحساب ، فلهذا السبب ذكر الرجاء ، ولم يذكر الخوف . السؤال الثاني : أن الكفار كانوا قد أتوا بأنواع من القبائح والكبائر ، فما السبب في أن خص الله تعالى هذا النوع من الكفر بالذكر في أول الأمر ؟ الجواب : لأن رغبة الإنسان في فعل الخيرات ، وفي ترك المحظورات ، إنما تكون بسبب أن ينتفع به في الآخرة ، فمن أنكر الآخرة ، لم يقدم على شيء من المستحسنات ، ولم يحجم عن شيء من المنكرات ، فقوله : * ( إنهم كانوا لا يرجون حساباً ) * تنبيه على أنهم فعلوا كل شر وتركوا كل خير . * ( وَكَذَّبُواْ بِايَاتِنَا كِذَّاباً ) * . والنوع الثاني : من قبائح أفعالهم قوله : * ( وكذبوا بآياتنا كذاباً ) * اعلم أن للنفس الناطقة الإنسانية قوتين نظرية وعملية ، وكمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ولذلك قال إبراهيم : * ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) * ( الشعراء : 83 ) * ( هب لي حكماً ) * ( الشعراء : 83 ) إشارة إلى كمال القوة ، النظرية * ( وألحقني بالصالحين ) * إشارة إلى كمال القوة العملية ، فههنا بين الله تعالى رداءة حالهم في الأمرين ، أما في القوة العملية فنبه على فسادها بقوله : * ( إنهم كانوا لا يرجون حساباً ) * ( النبأ : 27 ) أي كانوا مقدمين على جميع القبائح والمنكرات ، وغير راغبين في شيء من الطاعات والخيرات . وأما في القوة النظرية فنبه على فسادها بقوله : * ( وكذبوا بآياتنا كذاباً ) * أي كانوا منكرين بقلوبهم للحق ومصرين على الباطل ، وإذا عرفت ما ذكرناه من التفسير ظهر أنه تعالى بين أنهم كانوا قد بلغوا في الرداءة والفساد إلى حيث يستحيل عقلاً وجود ما هو أزيد منه ، فلما كانت أفعالهم كذلك كان اللائق بها هو العقوبة العظيمة . فثبت بهذا صحة ما قدمه في قوله : * ( جزاءاً وفاقاً ) * ( النبأ : 26 ) فما أعظم لطائف القرآن مع أن الأدوار العظيمة قد استمرت ، ولم ينتبه لها أحد ، فالحمد لله حمداً يليق بعلو شأنه وبرهانه على ما خص هذا الضعيف بمعرفة هذه الأسرار . واعلم أن قوله تعالى : * ( وكذبوا بآياتنا كذاباً ) * يدل على أنهم كذبوا بجميع دلائل الله تعالى في التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع والقرآن ، وذلك يدل على كمال حال القوة النظرية في الرداءة والفساد والبعد عن سواء السبيل وقوله : * ( كذاباً ) * أي تكذيباً وفعال من مصادر التفعيل وأنشد الزجاج : لقد طال ما ريثتني عن صحابتي * وعن حوج قضَّاؤها من شفائنا من قضَّيت قضَّاء قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية ونظيره خرَّقت القميص خرَّاقاً ، وقال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني : الحلو أحب إليك أم العِصَّار ؟ وقال صاحب " الكشاف " كنت أفسر آية فقال بعضهم : لقد فسرتها فِسَّاراً ما سمع به ، وقرئ بالتخفيف وفيه وجوه : أحدها : أنه مصدر كَذَّب بدليل قوله :